كانت وما تزال عقدة وصل تربط بين الزمنين: زمن القوافل القادمة من تخوم العالم القديم محمّلة بالتوابل والعطور والحرير، وزمن الحجاج الذين يتدفّقون إليها اليوم في رحلة إيمانية لا تنقطع. وبين الزمنين، ظلّ السوق قلباً نابضاً لهذه المدينة، يتغيّر شكله لكنه لا يفقد وظيفته: مكانٌ للتبادل والتعارف، ومسرح للحكايات، ومرآة لتاريخ طويل من التجارة والتحولات.
بهذه العلاقة الوثيقة بين التجارة والدين، بدأت ملامح مكة كعاصمةٍ للتبادل الحضاري قبل الإسلام بقرون.
ماذا تعني الأسواق للحاج المعاصر اليوم؟
في رحلة الحج، لا يكتمل الشعور بالزيارة دون هديةٍ تأخذ شيئاً من المكان إلى الوطن: السبحة التي تلمسها الأصابع في الصلاة، أو شذى العطر الذي يذكر بليالي الحرم، أو قطع التمر التي تتشارك بها العائلات.. كلّها هدايا الحجاج التي تحمل أثر مكة أينما ذهبت.
كما أنَّ قرب هذه الأسواق من الحرم يساعد الحاج على اقتناء مستلزمات ضرورية يومياً من دون مشقة، خاصةً لمن يقيم في فنادق مكارم القريبة من الحرم، التي تمثّل امتداداً معاصراً لروح الضيافة المكية.
قبل الإسلام: تجارة البخور وملتقى القوافل
لم تكن مكة مدينة زراعية، ولكن الله منحها أهم من ذلك: موقعاً استراتيجياً على مفترق طرق القوافل بين اليمن والشام. كانت القوافل تأتي محملةً باللبان والبهارات والعسل والجلود، وتقيم حول الحرم أسواقاً موسمية مثل سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز.
هنا، كان الشعر يُقال، والخطب تُلقى، والصلح يُعقد، والتجارة تُزدهر في ظل حرمة البيت العتيق التي منعت القتال ومنحت السوق أماناً فريداً.
بيد أنّ أشهر هذه الأسواق كان سوق عكاظ، الذي عرفته العرب كمسرح للشعر والتفاخر، وميدان لحل النزاعات، ومنتدى للتجارة التي لا تنقطع. لم يكن سوق عكاظ سوقاً عادياً؛ كان مؤسسة اجتماعية وثقافية واقتصادية، امتد تأثيره إلى داخل مكة، فصار جزءاً من دورة الحياة السنوية.
صدر الإسلام والعصران الأموي والعباسي: الأسواق حول الحرم
ومع بزوغ الإسلام، دخلت مكة مرحلة جديدة، لكن السوق لم يفقد مكانته؛ بل اكتسب بُعداً آخر. أصبح الحرم مركزاً للحياة، وشيئاً فشيئاً انتقلت الأسواق إلى جواره، حتى صارت متلاصقة مع طرقات الطائفين.
وفي العهدين الأموي والعباسي، توسعت المدينة واستقر فيها التجار، فظهرت أسواق ثابتة للمواد الغذائية والعطور والقماش والمسك والعقيق، وكل ما يحتاجه الحاج في رحلته.
كان الحاجُ يطوف ويصلي ثم يشتري ما يسد حاجته أو ما يقدمه هدية عند رجوعه، فتحولت الأسواق إلى جزء محوري من زيارة مكة.
بمعنى آخر، صار الحج، الذي تحوّل إلى ركن من أركان الدين الحنيف، يجلب مئات الآلاف من المقبلين من كل أقطار العالم الإسلامي، يحملون معهم ما هو أكثر من الرغبات الروحية: يحملون بضائع بلادهم، ويبحثون عن سلع لم يجدوها في أوطانهم، ويعودون محمّلين بما يمكن أن يشكل هدايا، أو تجارة صغيرة، أو ذكرى روحية تستقر في البيوت والمساجد. وفي هذه الحقبة، تطورت أسواق مكة والمدينة وجدة معاً، لأن جدة بوصفها ميناء الحجاز كانت بوابة تجارية لا تقل تأثيراً عن الأسواق داخل المدينة.
في العهد العثماني: التنظيم والازدهار حول الحرم
مع دخول العثمانيين، شهدت أسواق مكة مزيداً من التنظيم. فأُنشئت الممرات المرصوفة، وتم بناء الخانات والاستراحات للحجاج الذين قدموا من أطراف العالم الإسلامي. ونمت الحرف والصناعات اليدوية، مثل: صياغة الذهب، وصناعة السبح، وحياكة ثياب الحجاج، وتجهيز الهدايا الدينية.
وامتزجت هنا مهن الأجداد مع روح المكان، فتكوّنت هوية تجارية وثقافية عريقة لا تزال آثارهـا محفوظة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم.
أسواق مكّة في القرن السابع عشر
وفي القرن السابع عشر، سُجّلت مشاهدات لأسواق مكة تصفها كمراكز متخصصة في الطيب، والأقمشة، والحناء، والحبوب، والأصباغ. كانت الأسواق مغطاة بأسقف من الخشب أو القماش تحمي البضائع من الحرّ، وتسمح بالجولة في ممرات تحفّها الدكاكين الصغيرة. وخلال العهد العثماني، ظهرت البيستانات، وهي أسواق مغطاة ذات أبواب تُغلق ليلاً، ما جعل التجارة أكثر تنظيماً وأماناً. في تلك الفترة، كانت جدة تستمدّ قوتها من منافذها البحرية التي تربطها بمصر وتركيا والهند وشرق أفريقيا، فازدهرت بسوق باب مكة وسوق البدو وسوق العلوي وغيرها، وأصبحت إمداداً أساسياً لأسواق مكة نفسها.
لم تكن هذه الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت جزءاً من الإيقاع اليومي للمدينة، حيث تتجاور رائحة الهيل مع صوت المؤذن، وعبق العود مع حركة الحجاج. وكان الحجاج يجدون في تلك الأسواق كل ما يحتاجونه: من ماء زمزم الذي يُعبّأ في قوارير صغيرة، إلى السبح الخشبية، والعمائم البيضاء، والحنا، وأنواع التمور. كان السوق بأكمله يتحول مع وصول الحجّاج إلى كرنفال صغير، يختلط فيه القديم بالجديد.
الأسواق الحديثة: حيث يلتقي القديم بالجديد
ومع مرور الزمن، وبخاصة منذ القرن العشرين، دخلت مكة مرحلة أخرى من التحول الكبير. فمع تزايد أعداد الحجاج، بدأت المدينة تتوسع، وتُهدم الأبنية القديمة ليُقام مكانها فنادق شاهقة ومجمعات تجارية ضخمة. ولم يعد السوق محصوراً في الأزقة الضيقة، بل امتد إلى داخل المولات الفاخرة التي تضم عشرات العلامات العالمية. ومع ذلك، بقيت الأسواق التقليدية صامدة إلى حد ما، تحتفظ بجاذبيتها للزائر الذي يبحث عن روح الحجاز القديمة.
وعلى بعد نحو ساعة من مكة، تواصل جدة لعب دورها التاريخي كمخزن للمواد الأساسية التي تُمدّ مكة بها. فـ"سوق باب مكة" لا يزال يصدّر للمدينة الروائح التقليدية نفسها: قهوة عربية مطحونة، زنجبيل، قرفة، قرنفل، حب الهيل، ومعها ملابس تراثية وفواكه جافة وزيوت عطرية. وسوق "البدو" الذي يمتد عمره لأكثر من 140 عاماً، بقي شاهداً على تاريخ طويل من تجارة الأقمشة، والعطور، والأدوات النحاسية، والمنتجات البدوية. أما سوق السوريين، الذي صار يعرف اليوم باسم سوق المرجان، فقد تطور إلى تجمع ضخم يُعد حالياً من أكبر الأسواق الشعبية في المنطقة، ويشكل محطة رئيسية للحجاج الذين يمرّون بجدة في طريقهم إلى مكة.
أما داخل مكة نفسها، بالقرب من فنادق مكارم، فقد شهدت الأسواق التقليدية امتداداً طبيعياً لما كانت عليه قديماً. الأسواق هنا تتبع نمط الـ"بازار الممتد"، في هيئة ممر طويل تتراصف على جانبيه الدكاكين الصغيرة، وتتشعب منه طرق ضيقة نحو ساحات أكبر كانت قديماً مخصصة لراحة الجمال. هذا النمط لا يزال حاضراً في عدد من الأسواق في محافظة مكة الواسعة، بما في ذلك سوق القوز في محافظة القنفذة، جنوب مكّة، أحد أكبر الأسواق في المملكة، الذي يقدم تشكيلة تمتد من العسل والسمن إلى المواشي والحبوب والأدوات الزراعية. وفي جدة، يحتفظ سوق الخاسكية بروحه القديمة مع روائح البهارات المنبعثة من كل زاوية، والسبح المعلّقة أمام المحلات، وحركة الزوار الذين يبحثون عن تذكارات تحمل روح المكان.
أسواق عصرية قريبة من الفنادق
وبين هذا التاريخ العميق والتحولات المتسارعة، تعيش مكة اليوم مزيجاً فريداً من عالمين: عالم الأسواق التقليدية التي احتفظت بطابعها الشعبي وروحها البسيطة، وعالم الأسواق الحديثة القريبة من فنادق مكارم، التي تقدم تجربة تسوق عالمية. فالحاج الذي ينزل من فندق مكارم القريب من الحرم قد يجد نفسه أمام خيارين متناقضين ظاهرياً: أن يتجول في سوق شعبية تفوح منها رائحة البخور والهيل، أو أن يدخل إلى مول مكيف يقدم منتجات من باريس ولندن ونيويورك. ومع ذلك، لا يشعر الزائر بأن هذه التناقضات تقلّل من روح المدينة؛ بل تمنحها تنوعاً يليق بمكان يؤمه العالم كله.
الهدايا التي يشتريها الحاج اليوم تمتد من أبسط الأشياء مثل السبح الخشبية، وسجادات الصلاة، وحبّات التمر الطازج وخصوصاً تمر العجوة والسكري والخلاص إلى التحف الصغيرة التي تحاكي الكعبة أو المسجد الحرام. ولعل سوق الكعكية في جنوب مكة من أهم الأماكن التي يلجأ إليها الحجاج لشراء التمور بالجملة، فهو أشبه ببازار كبير يمتلئ بأنواع لا حصر لها من التمور الطازجة ومنتجاتها.
مع هذا الامتزاج بين الماضي والحاضر، تظلّ مكة سوقاً من نوع خاص. فهي لا تُقاس بمساحتها ولا بعدد متاجرها، بل بالتجارب التي تصنعها في قلب زائرها. هناك شيء في أسواق مكة يشبه حركة الطواف: دوران متواصل، كثافة روحية، وذكريات تتكوّن دون تخطيط. وهكذا تمتدّ رحلة الأسواق من طرق التوابل القديمة إلى أكياس الهدايا التي يحملها الحاج لأهله اليوم رحلة تؤكد أن التجارة ليست مجرد تبادل، بل هي أيضاً جزء من الحكاية الإنسانية التي لا تنتهي.